العيني

71

عمدة القاري

على اسم الله وبركته ) ، وكانت ليلة مقمرة ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وساروا حتى انتهوا إلى حصنه ، فهتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهد بعرس ، فوثب في محلفة له فأخذت امرأته بناحيتها ، وقالت : إلى أين في هذه الساعة ؟ فقال : إنه أبو نائلة ، لو وجدني نائماً أيقظني ، فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشر ، فقال لها كعب : لو دعى الفتى إلى طعنة ليلاً لأجاب ، ثم نزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ، ثم قالوا : هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ، قال : نعم ، إن شئتم ، فخرجوا يتماشون فأخر الأمر أخذ أبو نائلة بفود رأسه ، فقال : اضربوا عدو الله ، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم ، فلم تغن شيئاً ، قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولاً لي في سيفي ، والمغول السيف الصغير ، فوضعته في ثنته وتحاملت عليه حتى بلغ عانته ، وصاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاَّ وقد أوقد عليه نار ، ووقع عدو الله ، وجئنا آخر الليل إلى رسول لله صلى الله عليه وسلم ، وهو قائم يصلي فأخبرناه بقتله ففرح ، ودعا لنا . وحكى الطبري عن الواقدي ، قال : جاؤوا برأس كعب ابن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كتاب ( شرف المصطفى ) : أن الذين قتلوا كعباً حملوا رأسه في المخلاة إلى المدينة ، فقيل : إنه أول رأس حمل في الإسلام ، وقيل : بل رأس أبي عزو الجمحي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، فقتل وجمل رأسه إلى المدينة في رمح ، وأما أول مسلم حمل رأسه في الإسلام فعمر بن الخمق ، وله صحبة . فإن قلت : كيف قتلوا كعباً على وجه الغرة والخداع ؟ قلت : لما قدم مكة وحرض الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين فقد نقض العهد ، وإذا نقض العهد فقد وجب قتله بأي طريق كان ، وكذا من يجري مجراه كأبي رافع وغيره ، وقال المهلب : لم يكن في عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل كان ممتنعاً بقومه في حصنه ، وقال المازري : نقض العهد وجاء مع أهل الحرب معيناً عليهم ، ثم إن ابن مسلمة لم يؤمنه لكنه كلمه في البيع والشراء فاستأنس به ، فتمكن منه من غير عهد ولا أمان . وقد قال رجل في مجلس علي ، رضي الله تعالى عنه : إن قتله كان غدراً ، فأمر بقتله فضربت عنقه ، لأن الغدر إنما يتصور بعد أمان صحيح ، وقد كان كعب مناقضاً للعهد . قوله : ( وسقاً ) ، بفتح الواو وكسرها : وهو ستون صاعاً . قوله : ( أو وسقين ) ، شك من الراوي . قوله : ( ارهنوني ) ، فيه لغتان رهن وأرهن ، فالفصيحة : رهن ، والقليلة : أرهن . فقوله : ارهنوا على اللغة الفصيحة بكسر الهمزة ، وعلى اللغة القليلة بفتحها . قوله : ( فيُسب ) على صيغة المجهول ، وكذا قوله : رهن بوسق . قوله : ( اللأمة ) ، مهموزة : الدرع وقد فسره سفيان الراوي بالسلاح ، وقال ابن الأثير : اللأمة الدرع ، وقيل : السلاح ، ولأمة الحرب أداته ، وقد ترك الهمزة تخفيفاً ، وقال ابن بطال : ليس في قولهم : نرهنك اللأمة ، دلالة على جواز رهن السلاح عند الحربي ، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره ، وقال السهيلي : في قوله : من لكعب ابن الأشرف ، فإنه آذى الله ورسوله ؟ جواز قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان ذا عهد ، خلافاً لأبي حنيفة فإنه لا يرى بقتل الذمي في مثل هذا . قلت : من أين يفهم من الحديث جواز قتل الذمي بالسب ؟ أقول : هذا بحثاً ، ولكن أنا معه في جواز قتل الساب مطلقاً . 4 ( ( بابٌ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه الرهن مركوب ، يعني : إذا كان ظهراً يركب ، وإذا كان من ذوات الدر يحلب ، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : الرهن مركوب ومحلوب ، وقال : إسناده على شرط الشيخين . وأخرجه ابن عدي في ( الكامل ) والدارقطني والبيهقي في ( سننيهما ) من رواية إبراهيم بن محشر ، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرهن محلوب ومركوب ) ، قال ابن عدي : لا أعلم رفعه عن أبي معاوية غير إبراهيم بن محشر هذا ، وله منكرات من جهة الإسناد غير محفوظة . وقال مُغِيرَةُ عنْ إبْرَاهِيمَ : تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا والرَّهْنُ مِثْلُهُ